فخر الدين الرازي

190

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الآن إيجاد شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر ، فهما / إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزى ، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزى متجزئا وهو محال وإن كان شيئا آخر ، فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة ، وكذا القول في إيجاد جميع الأجزاء فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم دفعة واحدة ، ولا شك أيضا أنه تعالى قادر على إيجاده وتكوينه على التدريج . وإذا ثبت هذا فنقول هاهنا مذهبان : الأول : قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه كلما أراد ، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح ، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول : لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة ؟ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة ، فسقط هذا السؤال . الثاني : قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة فعند هذا قال القاضي : لا يبعد أن يكون خلق اللّه تعالى السماوات والأرض في هذه المدة المخصوصة ، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين . ثم قال القاضي : فإن قيل : فمن المعتبر وما وجه الاعتبار ؟ ثم أجاب وقال : أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه اللّه تعالى قبل خلقه للسموات والأرضين ، أو معهما ، وإلا لكان خلقهما عبثا . فإن قيل : فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد ؟ ! قلنا : إنه تعالى لا يخاف الفوت ، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد ، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك ، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت ، ونخاف العجز والقصور . قال : وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق السماوات والأرض . فإن قيل : أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان ، فقبل خلق السماوات والأرض لامكان ، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان ؟ قلنا : الذي يقدر على تسكين العرش والسماوات والأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر ، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالا بعد حال أقوى والدليل عليه : أن ما يحدث على هذا الوجه ، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك . والسؤال الثالث : فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس أنه قال : إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ؟ والجواب : قال القاضي : الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما ، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفا ، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة . ولقائل أن يقول : لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والإنجيل ، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا ، لم يكن ذلك قادحا في صحة التعريف . السؤال الرابع : هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها ، وهذا المعنى مفقود قبل خلقها ، فكيف يعقل هذا التعريف ؟